سيد قطب

2858

في ظلال القرآن

الالتفات إلى الجمال الرفيع الهادئ النظيف . . يبدو هذا في أشعار الجاهلين حول جسد المرأة ، والتفاتاتهم إلى أغلظ المواضع فيه ، وإلى أغلظ معانيه ! فلما أن جاء الإسلام أخذ يرفع من نظرة المجتمع إلى المرأة ؛ ويؤكد الجانب الإنساني في علاقات الجنسين ؛ فليست هي مجرد إشباع لجوعة الجسد ، وإطفاء لفورة اللحم والدم ، إنما هي اتصال بين كائنين إنسانيين من نفس واحدة ، بينهما مودة ورحمة ، وفي اتصالهما سكن وراحة ؛ ولهذا الاتصال هدف مرتبط بإرادة اللّه في خلق الإنسان ، وعمارة الأرض ، وخلافة هذا الإنسان فيها بسنة اللّه . كذلك أخذ يعنى بروابط الأسرة ؛ ويتخذ منها قاعدة للتنظيم الاجتماعي ؛ ويعدها المحضن الذي تنشأ فيه الأجيال وتدرج ؛ ويوفر الضمانات لحماية هذا المحضن وصيانته ، ولتطهيره كذلك من كل ما يلوث جوه من المشاعر والتصورات . والتشريع للأسرة يشغل جانبا كبيرا من تشريعات الإسلام ، وحيزا ملحوظا من آيات القرآن . وإلى جوار التشريع كان التوجيه المستمر إلى تقوية هذه القاعدة الرئيسية التي يقوم عليها المجتمع ؛ وبخاصة فيما يتعلق بالتطهر الروحي ، وبالنظافة في علاقات الجنسين ، وصيانتها من كل تبذل ، وتصفيتها من عرامة الشهوة ، حتى في العلاقات الجسدية المحضة . وفي هذه السورة يشغل التنظيم الاجتماعي وشؤون الأسرة حيزا كبيرا . وفي هذه الآيات التي نحن بصددها حديث إلى نساء النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - وتوجيه لهن في علاقتهن بالناس ، وفي خاصة أنفسهن ، وفي علاقتهن باللّه . توجيه يقول لهن اللّه فيه : « إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ - أَهْلَ الْبَيْتِ - وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً » . فلننظر في وسائل إذهاب الرجس ، ووسائل التطهر ، التي يحدثهن اللّه - سبحانه - عنها ، ويأخذهن بها . وهن أهل البيت ، وزوجات النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - وأطهر من عرفت الأرض من النساء . ومن عداهن من النساء أحوج إلى هذه الوسائل ممن عشن في كنف رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وبيته الرفيع . إنه يبدأ بإشعار نفوسهن بعظيم مكانهن ، ورفيع مقامهن ، وفضلهن على النساء كافة ، وتفردهن بذلك المكان بين نساء العالمين . على أن يوفين هذا المكان حقه ، ويقمن فيه بما يقتضيه : « يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ » . . لستن كأحد من النساء إن اتقيتن . . فأنتن في مكان لا يشارككن فيه أحد ، ولا تشاركن فيه أحدا . ولكن ذلك إنما يكون بالتقوى . فليست المسألة مجرد قرابة من النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - بل لا بد من القيام بحق هذه القرابة في ذات أنفسكن . وذلك هو الحق الصارم الحاسم الذي يقوم عليه هذا الدين ؛ والذي يقرره رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وهو ينادي أهله ألا يغرهم مكانهم من قرابته ، فإنه لا يملك لهم من اللّه شيئا : « يا فاطمة ابنة محمد . يا صفية ابنة عبد المطلب . يا بني عبد المطلب . لا أملك لكم من اللّه شيئا . سلوني من ما لي ما شئتم « 1 » » . وفي رواية أخرى : « يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار . يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم من النار . يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار . يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار . يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار . فإني واللّه لا أملك لكم من اللّه شيئا ، إلا أن لكم رحما سأبلها ببلالها « 2 » » .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 2 ) رواه مسلم والترمذي .